الجصاص

580

أحكام القرآن

قال : والحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام " إنما هو خراج الجزية . قال أبو بكر : عبد الله بن مسعود أنه اشترى أرض خراج ، وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " قال عبد الله : وبراذان ما براذان ! وبالمدينة ما بالمدينة ! وذلك أنه كانت له ضيعة براذان وراذان من أرض الخراج . وروي أن الحسن والحسين ابني علي رضي الله عنهم اشتروا من أرض السواد ، فهذا يدل على معنيين : أحدهما أنها أملاك لأهلها ، والثاني : أنه غير مكروه للمسلم شراها . وروي عن علي وعمر رضي الله عنهما فيمن أسلم من أهل الخراج : " أنه إن أقام على أرضه أخذ منه الخراج " . وروي عن ابن عباس أنه كره شرى أرض أهل الذمة ، وقال : " لا تجعل ما جعل الله في عنق هذا الكافر في عنقك " ، وقال ابن عمر مثل ذلك ، وقال : " لا تجعل في عنقك الصغار " . قال أبو بكر : وخراج الأرض ليس بصغار ، لأنا لا نعلم خلافا بين السلف أن الذمي إذا كانت له أرض خراج فأسلم أنه يؤخذ الخراج من أرضه ويسقط عن رأسه ، فلو كان صغارا لسقط بالإسلام ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " منعت العراق قفيزها ودرهمها " يدل على أنه واجب على المؤمنين ، لأنه أخبر عما يمنع المسلمون من حق الله في المستقبل ، ألا ترى أنه قال : " وعدتم كما بدأتم ؟ " والصغار لا يجب على المسلمين وإنما يجب على الكفار للمسلمين . وقوله تعالى : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ) ، يعني والله أعلم : أن ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول وللذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ، يعني الأنصار . وقد كان إسلام المهاجرين قبل إسلام الأنصار ، ولكنه أراد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرة المهاجرين . وقوله تعالى : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) ، قال الحسن : يعني أنهم لا يحسدون المهاجرين على فضل آتاهم الله تعالى . وقيل : لا يجدون في أنفسهم ضيقا لما ينفقونه عليهم . وقوله تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) ، الخصاصة الحاجة ، فأثنى عليهم بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ينفقونه عليهم وإن كانوا هم محتاجين إليه . فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : معي دينار ! فقال : " انفقه على نفسك " فقال : معي دينار آخر ! فقال : " أنفقه على عيالك " فقال : معي دينار آخر ! قال : " تصدق به " ، وأن رجلا جاء ببيضة من ذهب فقال : يا رسول الله تصدق بهذه فإني ما